الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

109

محجة العلماء في الأدلة العقلية

نبيّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم والتدين بما جاء به نقض للغرض المنافى للحكمة تعالى عن ذلك والجواب عن ذلك ان ما ذكر انما يقتضى بعث الرّسل وانزال الكتب ونصب الأوصياء والحجج في جميع الأعصار سواء تمكن النّاس من الاهتداء به والاستضاءة بنوره أم لا فان الحكمة لا تقتضى قهر النّاس على ترك الاخفاء وخرق العادات في التمكين من الاهتداء ألا ترى ان أعظم طرق الهداية نبيّنا صلى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يتمكن من الاهتداء به مدة حياته الّا قليل من كثير فان كثير من أهل الأقاليم إلى هذا الزّمان لم يتمكنوا من الاسلام فبين من لم يخطر بباله دين ولم يسمع بعث رسول ومن لم تبلغه دعوة نبيّنا صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن يجزم بفساد دعواه وشاك لا يعرف العربي ولا يتمكن من معرفة ومن لا يبلغ مرتبته فهم الاعجاز ومن لا يذعن بكونه كذلك بل في زماننا لا يكاد يوجد من يعرف اعجاز القرآن لاندراس العلوم النقليّة كالعقليّة خصوصا البلاغة ولو وجد شاذ فالأكثر لا يتمكّنون من الانتفاع بعلمه كما لا يخفى مع انّ قضيّة المذهب انه لا ينفع التصديق بالنّبوّة الّا مع التصديق بامامة الاثني عشر من الائمّة والأكثر لا يستطيعون الاجتهاد في ذلك بل كثير من الأفاضل في عقايدهم مقلّدون فان الاجتهاد في الأصول أصعب بمراتب من الاجتهاد في الفروع الّذى هو أشق من طول الجهاد ومن لاحظ اختلاف المذاهب والأديان وكثرة ما تشبّثوا به من أنواع الجدل والبرهان صار كأنه يشاهد المطلب بالعيان وبالجملة فالأكثر لا يتمكنون من الطلب والمتمكن منه كثيرا ما لا يبلغ مقام المعرفة والبالغ كثيرا ما يخطى مع أن الغرض من خلق هؤلاء القاصرين أيضا الصّعود إلى درجات اليقين فيكشف هذا عن انه تعالى لا يجب عليه تمكين كل شخص من معرفة الحق فحيث جاز اهمال فرد من الانسان بمعنى عدم تمكينه من ادراك مقام اليقين لحكمة يعلمها رب العالمين كما هو المشاهد بالعيان فلا استحالة في اطراد تلك الحكمة في زمان بالنسبة إلى الأكثر أو جميع افراد الانسان وبالجملة فنفى القصور من القصور فانّه في غاية الظهور وحيث جاز اختفاء الكتاب بأجمعه على جميع النّاس ولو أوجب الضّلال فاختفاء بعضه على الجميع أو على الأكثر أولى بالجواز وكذا الحال في التباسه بغيره والحاصل انه لا يجب في الحكمة التكميل العام ونفى القصور رأسا فان الأكثر في الأكثر عن الصّراط السّوى ناكبون وليس ذلك الّا على وفق الحكمة والمصلحة ولبيان بعض حكمه وتوضيح الامر فيه مقام آخر فحيث جاز ان يزعم النّاس طرّا ما ليس من الكتاب في شيء كتابا عقلا كسائر أنواع التباس الحق بالباطل وان أوجب ذلك الكفر والضلال فجواز التباس طائفة أو اختفائه مع ظهور ما هو العمدة منه الكافية للاعجاز بل الوافية بأكثر ما يستفاد منه ان لم يكن بالجميع أولى في بيان من جمع القرآن وبالتامّل في ما حققناه يظهر ما في ما قال البلخي في تفسيره المسمّى بجامع علم القرآن في مقام الانكار على من قال إن القرآن جمعه أبو بكر وعثمان بعد وفاة النّبى صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد ما تمسّك بالآيات ما هذا لفظه على ما حكاه ابن طاوس قده في سعد السّعود وانّى لا عجب من أن يقبل المؤمنون قول من زعم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ترك القرآن الذي هو حجة على امّته والذي تقدّم به دعوته والفرائض الذي جاء به من عند ربّه وبه يصحّ دينه الذي بعثه اللّه داعيا اليه مفرقا في قطع الخزف ولم يجمعه ولم يمضه ولم يحفظه ولم يحكم الامر في قرأته وما يجوز من الاختلاف وما يجوز في اعرابه وفي مقداره وتاليف سورة وآية هذا لا يتوهّم على رجل من عامة المسلمين فكيف برسول ربّ العالمين انتهى فان أراد بالحفظ والصّيانة والاحكام جعله بحيث لا يتطرق اليه الزيادة والنقصان حتى يرجع إلى نفى الامكان فقد ظهر انه من وضوح البطلان بمكان وان أراد عدم تقصيره